أهلاً وسهلاً بكم في الموقع الرسمي لمركز الأبحاث والاستشارات القانونية والحماية للمرأة - غزة...




ليلة مختلفة وصباح مختلف فقد هدأت الحرب

بقلم / زينب الغنيمي

الساعة الأولى من اليوم التالي لليوم الثامن للحرب ، لازال الوقت ليلا ولم يبدأ الصباح بعد ، ولازال الصحو يرافقني ، وبصورة لا شعورية أتحسس المذياع كل الوقت وأدير مفتاحه، أبحث عن صوت المذيع في هذه المحطة وتلك ، بانتظار الرسالة الإخبارية المعتادة من ذلك المراسل الذي كان ينقل أخبار موقع سقوط القنابل المتفجرة على منطقة ما في غزة، وهو الذي كنت دائما أستحث المذياع ليأتيني بصوته وأنا اتنقل بين المحطات مع كل اهتزاز للمبنى الذي أسكنه، والذي اعتدت أن أشعر به  حتى قبل حدوث الانفجار لأعرف أين وقع ذلك الصاروخ الذي قذفته تلك الطائرة السوداء.
لازال الوقت ليلا، وساعات اليوم الجديد يزداد عدّها ومازال الصحو يرافقني، ولازلت أفتح التلفاز على قنوات الأخبار لأتأكد أن ليس هناك انفجارات في مباني انهدمت على ساكنيها، أو مقرات خدمية دكّها صاروخ يزن مئات الأطنان من المواد المتفجرة فغاص بالمبنى إلى عمق الأرض ليسويّ طبقاته العديدة بمستوى سطحها.
تنبّهت إلى أن الهدوء محيط بي ، خصوصا بعد أن تأكدت مجددا من نشرة الأخبار أن تلك الحرب اللعينة وضعت أوزارها ، وأن اتفاقا على التهدئة أصبح في حكم المعلوم، وقررت أن أعود لعاداتي اليومية السابقة على الحرب ، أن أغير ملابسي الرسمية التي لازمتني أياما ثمانية كإجراء احتياطي للخروج بجاهزية عند أي طارئ، وأن عليّ أن أرتدي ملابس النوم فالليلة بدت هادئة ، ولكن للحظة شعرت بالبيت يميد يمنة ويسرة ، تشككت قليلا ، أدرت المذياع لأتأكد ولكن المذيع كان مبتسماً يستمع لرسائل المهنئين بانتصار المقاومة وانتهاء الحرب، فقلت في نفسي لعلها ارتدادات لتلك الزلازل التي أحدثتها قنابل الموت، وغامرت بالوقوف والذهاب لتغيير ملابسي، ثم عدت ثانية لأجلس في نفس المكان أمام التلفاز والذي اعتاد عليّ طليلة أيام ثمانية بلياليها ، وتصفحت بريدي الاليكتروني وصفحة الفيسبوك والتي وجدتها عالقة وتحتاج لإغلاق وإعادة فتح ، ثمّ قررت أن أنام في ذات المكان ، فأنا لست مطمئنة للتغيير الذي حدث ، ولم أشعر بحرارة مشاهد الانتصار التي تظهر أمامي في كل القنوات الفضائية، فقد كانت قبل أربع ساعات فقط تنقل صور سيارات الإسعاف التي نقلت آخر شهيد سقط بعد الدقيقة الأولى لدخول موعد اتفاق التهدئة .
اتفاق التهدئة والذي تحّول إلى انتصار ، وخرج بعده الناس للشوارع تحت زخات جديدة من الرصاص المنطلق من كل أنواع الأسلحة الخفيفة ، وشعرت بالاستفزاز ألم يفرحوا بانتهاء الحرب إذن لماذا يطلقون الرصاص ، هل تستبد بالناس في غزة الرغبة في الاستماع إلى نغمة الرصاص، ألم تزعجهم وتخيفهم على مدار أيام ثمانية ، ألم يقتل الرصاص أطفال في عمر الزهور وأشعرهم حينها بالقهر والغيظ ، ألم يتمنون ليلة هادئة قليلا ليريحوا أجسادهم المتعبة وكانوا يستجدون ساعة نوم، كل ذلك تبخّر لمجرد معرفتهم أن الحرب أُوقفت ، ولكن ذلك الإيقاف سمّوه انتصارا لذلك بدأوا يعيشون هذه النشوة ، وأزاحوا ‘ن كاهلهم كل ما سبق .
و بقي البعض لم يشعر بذات الشيء وهذا البعض من فقد عزيزا أبنا أو أختا أو أخا أو أبا أو زوجا أو زوجة، أو من لديه عزيز أُثخن جسده أو جسدها بجروح قد لا تندمل .
ومن البعض وأنا منهم لم يشعر بحرارة إحساس الآخرين بهذا النصر، لأني لازلت أشعر بهزات ارتدادية لتبعات هذه الحرب ، ولا زلت لا أقوى على النوم ، ولازال الصحو يرافقني وأنا أفكر فيما جرى من اتفاق هل هو تهدئة أم هدنة، أم أنه ومن خلال قراءة بنوده ، لا هذا ولا ذاك بل هو اتفاق من نوع جديد، اتفاق غير فلسطيني، ولكنه يُكّرس (ربيعا عربيا) في بلادنا يشبه الربيع الذي حدث في أكثر من دولة ، ولكن الفرق أن ربيعهم جاء إثر مظاهرات شعبية ، أما ربيعنا فجاء عبر أطنان من القنابل المتفجرة سقطت علينا ، وسقطت على أعداءنا أيضا ،  وكل ما خلفته من دمار مدفوع الثمن إما مسبقا، أو فواتيره ستدفع عبر الوعودات والضمانات، التي جاءت بها وفود الزائرين والمتفرجين على مشاهد الدم والدمار، ولكن النتيجة واحدة وهي أن عهدا جديدا مختلفا بدأ سنرى فصوله قريبا.
 

26/11/2012